مدين يحيى أخصائي علوم سياسية
يُعتبر شعار “فصل السياسة عن الرياضة” مبدأً تنظيمياً يُطرح في الخطاب العام بهدف حماية المنافسة الرياضية من التدخل السياسي، ومع ذلك، فإن هذا الشعار، في السياق السوري، لم يكن يوماً قاعدة حيادية، بل أُستخدم كأداة انتقائية تحت رحمة موازين القوة السائدة، فالرياضة، باعتبارها ممارسة اجتماعية جماهيرية، لا يمكن فصله عن البنية السياسية التي تُدير مؤسساتها، ولا عن السياق التاريخي الذي تشكلت فيه دلالاتها.
الرياضة كأداة قمعية
في الحالة السورية، كانت الرياضة جزءًا من المجال العام الخاضع للسيطرة، ولم تكن بعيدة عن منطق السلطة، بل أصبحت إحدى أدوات القمع، ففي عقود حكم النظام السابق، لم تُعتبر السياسة طارئة على الرياضة، بل كانت مُحقّنة في جميع مجالاتها، وسمح للموالين للنظام بالظهور في كل المحافل الرياضية بدون اعتبار للأحقية الرياضية، بينما تم إقصاء أي شخص لا يُظهر الولاء الأعمى للسلطة أو يعارضها.
إجراءات سياسية وليست قانونية
هذا التمييز لم يكن قانونياً، بل كان إجراءً سياسياً، حيث اعتُبرت اللوائح الرياضية وسيلةً للضبط الاجتماعي، لا إطاراً تنظيمياً محايداً، ومن هنا، فإن الادعاء بفصل فعلي بين الرياضة والسياسة في سوريا يتعارض مع الحقائق، ويتجاهل الطبيعة السلطوية لإدارة المجال الرياضي.
رجوع الجمهور إلى الذاكرة الجمعيّة
انطلاقًا من هذا الوعي، لم ينظر جمهور الثورة إلى الرياضة كفضاءٍ منفصل عن الصراع السياسي والاجتماعي، بل تعامل معها كامتداد له، فالجماهير التي شهدت القتل والتهجير لا يمكن أن تتبنى مفهوم الحياد حين يكون هذا الحياد مُصمَماً لتجاهل الجريمة وحماية من ارتكبها، لذلك تصبح الذاكرة العنصر المركزي لفهم سلوك الجماهير، إذ لا تُمحى المواقف السياسية بسقوط الأنظمة.
دلالات حدث ميلاد حمد
تكتسب حادثة لاعب نادي الوحدة، ميلاد حمد، دلالتها من هذا السياق، فالمنشور الذي كتبه على وسائل التواصل الاجتماعي والذي احتوى تحريضاً على تدمير مدينة إدلب، ودعماً للنظام، لا يُمكن فصله عن موقعه كفاعل عام، ولا عن أثر خطابه في مجتمع لا تزال جراحه مفتوحة، فهذا الفعل ليس مجرد “حرية رأي”، بل يُعد جزءاً من خطاب سياسي يحمل دلالات رمزية وأخلاقية.
ردود الفعل الجماهيرية
عند دخول اللاعب ملعب يستضيف اسمه (ستاد عبدالباسط ساروت)، كان حاضراً حدثاً يتجاوز الرياضة، بل يُحمل دلالات سياسية واجتماعية، وردة فعل الجماهير، التي عبرت عن رفضها عبر الهتافات واللافتات، يجب قراءتها كتعبير عن ذاكرة جماعية ورؤية أخلاقية للعدالة، إن تجاهل هذا البعد، وتحويل الحدث إلى مخالفة تنظيمية معزولة، يُفرغ التحليل من معناه الاجتماعي.
قرار الاتحاد السوري لكرة القدم
قرار الاتحاد السوري لكرة القدم بفرض غرامة مالية على نادي الكرامة يُظهر هذا القصور التحليلي، فالقرار يعتمد على نص قانوني صحيح شكلياً، لكنه يغفل السياق الذي أُنتج فيه الفعل الجماهيري، ويتجاهل الفعل التحريضي الذي أفضى إليه، وفي هذه الحالة يتضح التناقض بين القانون كأداة تنظيمية، والعدالة كمفهوم اجتماعي شامل.
إعادة تعريف القانون والعدالة الانتقالية
في المجتمعات الخارجة من أنظمة قمعية، لا يكون القانون كافياً لإنتاج شرعية جديدة، ما لم يُعاد تعريفه في إطار العدالة الانتقالية والاعتراف بالذاكرة الجمعية، فالحياد، في سياق غير متكافئ، يتحول إلى موقف سياسي بحد ذاته، وغالبًا ما يكون انحيازاً غير معلن إلى الطرف الأقوى رمزياً، لذا، فإن الإصرار على شعار “فصل الرياضة عن السياسة” دون تفكيك شروطه الاجتماعية والتاريخية لا يؤدي إلا إلى تعميق الإحساس بالظلم.
الرياضة كمجال للصراع الرمزي
الرياضة في سوريا، لا يمكن إدارتها بمنطق تقني بحت، فهي مساحة للصراع الرمزي، ولإعادة تعريف الشرعية، وللتفاوض حول الذاكرة والمعنى، وأي محاولة لفرض حياد شكلي على هذا المجال، دون محاسبة الماضي أو الاعتراف بضحاياه، ستجد رفضا مجتمعياً، فالقانون، إذا انفصل عن العدالة، يفقد قوته على الإقناع، والرياضة، إذا اُستُخدمت لتجاوز التاريخ، تصبح أداة إقصاء، لذا، لا تمثل الملاعب في سوريا مستقبلاً منفصلاً عن السياسة، بل ساحة أخرى لبناء المعنى والعدالة في مجتمع لم يغلق بعد إرث تاريخه القريب.



