اخبار الخليج

«نقل أدب عبدالرحمن منيف إلى السينما أمنية علي سعيد»

للمؤلف والمخرج السينمائي علي سعيد تجربة عريقة في الصحافة والسينما، ولا عجب في ذلك كونه خريج كلية الإعلام في جامعة دمشق، إذ بدأ عمله مراسلاً صحفياً في عام 2003، ثم انتقل للعمل محرراً ثقافياً وفنياً متفرغاً في جريدة الرياض، بالإضافة إلى كتابته للمقالات في عدة صحف، وقد أحرز مؤخراً جائزتي صلاح أبو سيف ولجنة التحكيم الخاصة في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي 2025 عن فيلمه الوثائقي الطويل “ضد السينما”، كما كتب وأنتج الفيلم الوثائقي الطويل “قصة ملك الصحافة”، الذي نال جائزة لجنة التحكيم في مهرجان أفلام السعودية، فضلاً عن فوز سيناريو فيلمه الجديد “اعتداء” بجائزة أفضل سيناريو روائي طويل ثاني في مسابقة السيناريو غير المنفذ بمهرجان أفلام السعودية 2024، وأخرج فيلم “رقم هاتف قديم” الذي تم اختياره كفيلم لافتتاح مهرجان أفلام السعودية 2022، وهنا نص حوارنا معه..

• بماذا شعرت وأنت تحصد جائزة فيلم “ضد السينما” في مهرجان القاهرة الدولي؟

•• كان شعوراً جديداً كليّاً عن أي شعور سابق بالفوز، إذ تمثل القاهرة ومصر بالنسبة لنا نحن العرب ذاكرة حياتنا السينمائية، ويعد مهرجان القاهرة اليوم، الأعرق عربياً، بتاريخه ومكانته ومعاييره العالية، مما جعل طعم الفوز بالجائزة رائعاً، ولعل تفاعل جمهور القاهرة مع الفيلم، خلال العروض الثلاثة، سواء في الأوبرا المصرية أو العرض الأخير في جامعة القاهرة، كان تفاعلاً مدهشاً، حيث كان بحق الجائزة الكبرى للفيلم.

• ماذا يعني الفوز على مستوى شخصي ووطني؟

•• كما تعرف، أنا معنيٌّ بالسينما السعودية منذ أعوام مضت، بل إنني من الجيل الذي دافع عن صوت السينما السعودية منذ كتاباتي الباكرة في الصحافة، لذا فوز فيلمي أو أي فيلم سعودي في محفل سينمائي عربي أو عالمي هو فوز لنا جميعاً، وتعبير عن تطور التجربة السينمائية عاماً إثر آخر.

• أين تكمن قوة العمل الفائز؟

•• أظن أني أستطيع الإجابة من ردود وتعليقات جمهور الفيلم، مثلاً كتب الناقد خالد ربيع السيد، الذي حضر الفيلم في القاهرة، أن الفيلم ضد التوثيق الممل، ويبدو لي أن “ضد السينما” كان فيلماً مضاداً للكثير من المسلمات بأن الفيلم الوثائقي هو معلومات رتيبة ومعدة سلفاً، لذا ما حاولت أن أقدمه هو اصطحاب المتلقي في رحلة مليئة بالدراما والأحداث، لأنني أؤمن أن جوهر السرد هو الصراع الدرامي، وهو ما كان حاضراً بشكل أو بآخر في الفيلم.

• ما سر عنايتك بالمخرج عبدالله المحيسن؟

•• لسببين؛ لأنه رائد حقيقي، ليس فقط لأنه أول سعودي أخرج فيلم عام 1976، بل لأنه كان ولا يزال راعياً ومحباً وداعماً لجيل السينمائيين في المملكة، وقد تعمدت أن أبدأ أول يوم تصوير فيلمي في منزله، ومعه، احتراماً وتقديراً لدوره وريادته، وأيضاً أهديت له الجائزة كنوع من الامتنان، ولأجل ذلك الجيل الذي كابد وأسهم في فتح نافذة الوعي الأولى لنا، الأمر الآخر هو أنني أريد أن أرسل رسالة للجيل الجديد من السينمائيين والسينمائيات بأهمية احترام الأجيال السابقة، إذ دون الاحترام والتقدير لا يمكن لنا أن نبني تقاليد فنية رصينة.

• متى استشعرت ميلك للسينما؟ ومن كان يقف خلف هذا الميل؟

•• ميلي للسينما كان غائراً بداخلي منذ الطفولة، منذ زمن أشرطة الفيديو في الثمانينيات والتسعينيات، حيث كانت السينما أشبه بسحر حقيقي، بلورة سحرية تأخذك لعوالم أخرى، وأذكر جيداً شريط فيلم شارلي شابلن “السيرك”، الذي شاهدته وأنا طفل، حين أحضره زوج أختي من جدة إلى منزله في الجبيل، ولا زلت مأخوذاً بهذا الفيلم حتى اليوم، خصوصاً مشهد المرآة، والذي كان مدهشاً بالنسبة لطفل في ذلك الوقت، هذا الحب للأفلام تطور كخط جانبي في حياتي، لاحقاً كنا نذهب لسينمات خلال السفر، وفي الجامعة حدث التحول حين درست مواد السينما وصناعة الأفلام كمواد ثانوية، لم أكن أعرف أبداً أنها ستكتسب الأهمية الأساسية في حياتي.

• في أي عام بدأت السينما السعودية؟

•• بدأت السينما السعودية عام 2012، بكتابة فيلم “ليمون أخضر” الذي صورناه في المنطقة الشرقية، حيث كنت الكاتب والمنتج المنفذ، على الرغم من أنني لم أذكر اسمي كمنتج، واكتفيت بتسميتي ككاتب، وقد حقق الفيلم نجاحاً بفوزه بجائزة برنامج “بعيون سعودية” على mbc، وكان من إخراج مجتبى سعيد.

• لماذا تأخرنا عن العالم سينمائياً؟

•• الصحوة أخرتنا للأسف، وكان يمكن أن نتأخر أكثر لولا بزوغ فجر الرؤية الوطنية المباركة، التي أطلقت طاقات الشعب السعودي، واليوم نحن نرى بلادنا تمثل الإعصار الذي حرك المياه الراكدة ليس في أرضنا فقط بل في المنطقة.

• هل السينما أقوى وأخطر من المسرح؟

•• كلاهما خطران ولهما تأثير قوي إذا أعطيا المساحة والإمكانات للفعل، تمتلك السينما قوة خاصة، وهي قوة اللعب بالزمن، وبالتالي قوة التأثير من خلال المونتاج، أي زمن اللقطة، وقوة تأثير الصورة.

• كيف تقرأ تنافس الفنون أو تكاملها في المملكة؟

•• أتمنى أن يكون هنالك تنافس وتكامل بين الفنون، خصوصاً بين مؤسسة السينما ومؤسسة المسرح، رغم أن هاتين المؤسستين لا تزالان متباعدتين، على الرغم من وجود وشائج قوية بينهما، فالسينما الروائية فن قام على عناصر المسرح، كالممثل والديكور والإضاءة والمكياج، والفرق هو وجود الوسيط السينمائي، الكاميرا، وعليه أتمنى إيجاد برامج تربط نشاط السينما بالمسرح لتطوير القطاعين.

• بماذا نعزز حضورنا السينمائي؟

•• بمزيد من إنتاج الأفلام، لأن السينما حرفة أيضاً، وليست فناً فقط، وهذه الحرفة تحتاج لمزيد من الحرفيين، ونحن بحاجة لمزيد من الحرفيين المحليين، لدعم التخصصات الأخرى كالتصوير والإضافة والصوت والمكياج والملابس، وهذا ما تقوم به مشكورة هيئة الأفلام، نحن في طور بناء صناعة، والجميع يعمل بشغف، وهذا أمر رائع.

• ألا تخشى على السينما السعودية من المحاكاة والاستنساخ؟

•• في مكان ما، أجل، لكن التجارب السينمائية الأصيلة ستشق طريقها، لأننا بلد له ثقله الحضاري والتاريخي.

• هل سنعوّض غياب السينما السعودية عن موسوعات وتواريخ السينما العالمية؟

•• كان فيلم “ضد السينما” مساهمة جادة في هذا الاتجاه.

• ما شرط الانطلاقة بقوة؟

•• نحن انطلقنا بقوة ونتطور تجاربنا ونتعلم من الأخطاء، تخيل أننا في خمس سنوات أصبحنا محطة عالمية لصناعة الأفلام من خلال مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، فقط انظر إلى زوار سوق الإنتاج وستدهش مما تحقق وما سيتحقق، إن ما تعلمناه من احتكاكنا بالتجارب السينمائية العالمية خلال السنوات الخمس الأخيرة يعادل خمسين سنة مضت.

• كيف ترى المهرجانات السينمائية في السعودية؟

•• لها دور كبير في شحذ الحركة السينمائية وتطورها، لكننا بحاجة لمهرجانات صغيرة في المدن النائية، مهرجانات متخصصة تعرض الأفلام في حفر الباطن وعرعر أو في جازان وخميس مشيط والطائف والسودة، هناك جمهور متعطش للسينما، وسيحدث وجود مهرجانات سينمائية في المدن الأخرى نهضة كبيرة، وعلاقة وشيجة مع الناس في مختلف مدن المملكة، لذا فالمهرجانات السينمائية الصغيرة المتخصصة ضرورية لفتح علاقة مع الجمهور، وأتمنى أن أرى مثلاً مهرجاناً خاصاً بالمرأة والطفل وغيرهما، صحيح أن بعض الجامعات بدأت عمل مهرجانات طلابية، لكن هذا يظل محدوداً بالجامعة، وما أتمناه هو رفد المدن الصغيرة سينمائياً، لأن المهرجان لا يقدم أفلاماً فقط، بل يشمل ورش عمل وندوات، ويفتح وعياً ثقافياً تنويرياً مضاداً للعزلة.

• ألسنا في حاجة معاهد وأكاديميات متخصصة؟

•• بلا شك، قبل فترة افتتح معهد سين للتمثيل السينمائي والمسرحي، وهو أول معهد متخصص في هذا المجال، وكذلك ستفتح أكاديميات أخرى، وهناك المعهد الملكي للفنون، وأعتقد أننا بحاجة لمعهد سينمائي عالٍ متخصص في الفن السابع، وهذه أمنية لدي منذ 10 سنوات، وأتمنى أن تتحقق.

• هل يمكن تحقيق شراكة ناجحة بين الأدب والسينما لتحويل الأعمال الروائية إلى أفلام؟

•• لا أعرف، لكنني أأمل الاستفادة من الأدب، مع التنبيه بأن الشراكة بين الأدب والسينما لن تكون سهلة، خصوصاً أنها جديدة، فالروائي له عالمه وأدواته وفهمه الخاص بالسرد، بينما السينمائي له فهم آخر، ولهذا أخفقت بعض التجارب، الشراكة بين الطرفين تتحقق إذا فهمنا جيداً ماذا يريد كل طرف من الآخر، السينما مثلاً تريد من الأدب القصة ومتانة الشخصيات، بينما الأدب يريد من السينما التصوير المرئي والتأثير العابر للحدود، لذا يجب أن يكون كل طرف مرناً قليلاً للوصول إلى هذه الشراكة.

• على أي أعمال سردية تراهن في المستقبل القريب؟

•• بصراحة، المستقبل للسينما التسجيلية الوثائقية، رغم صعوبتها وندرتها، إذ دائماً ما تبتكر السينما الوثائقية قوالب جديدة، وهي الأقل محاكاة لأنها انعكاس صادق للحياة، إلا أن الأعمال الروائية الأصيلة هي التي تتمكن من الوصول إلى أصالة السينما الوثائقية بالصدق ومعانقة الحياة.

• ما مدى توفر البنية التحتية للفن السابع؟

•• قطعنا شوطاً كبيراً في هذا المجال، وأمامنا أشواط أخرى.

• هل يمكن للسينما مناقشة كل قضايا الناس؟

•• السينما كالأدب، معنية بالإنسان وقضاياه، وإمكانية مناقشة هذه الموضوعات بعمق تحتاج لسعة رؤية وبال ورحابة صدر من المتلقي في قبول وجهة نظر صانع الفيلم حتى لو لم تتفق مع رأيه.

• ماذا عن التعبير عن إنسان المكان بشفافية دون استعارات؟

•• قوة الفنون تأتي من القدرة على التعبير عن الإنسان بشفافية، بل إن قدرة أعمالنا اليوم على الوصول للعالم وعلى المنافسة تأتي من كونها شفافة وصادقة، فالمتلقي يريد أن يصدق أولاً، الصدق هو أساس الفن.

• أين تجد نفسك اليوم؟

•• في إخراج الأفلام السينمائية، الروائية والوثائقية، إذ أنني لا أفصل بينهما أبداً.

• ألا يعاودك الحنين للصحافة؟

•• الصحافة هي الكتابة، وما زلت أعيش مع الكتابة بشكل شبه يومي من خلال كتابة السيناريو وأعمال أخرى، وحنيني للصحافة ينشط كقارئ، وعليه، أنا ما زلت أقرأ الصحف والمجلات رغم انحسارها.

• وكتابة الكتب.. هل نشرت كتباً قبل إخراجك الأفلام؟

•• أجل، لدي مشروع كتاب هو مزيج بين السينما والأدب، لكنه مؤجل ريثما أنتهي من أولوياتي في صناعة الأفلام.

• ما الذي تعد له الآن إثر نشوة الفوز؟

•• نعمل في الاستوديو على مشاريع عدة، روائية ووثائقية، لكن مشروعي الشخصي القادم هو فيلم روائي طويل.

• كيف ترى مهرجان البحر الأحمر السينمائي؟

•• أثبت مهرجان البحر الأحمر، خلال السنوات الأخيرة، أنه ليس تظاهرة استعراضية، وإنما محور وقاعدة أساسية في منطقة الشرق الأوسط للصناعات ودعم الأفلام السينمائية، فهذا المهرجان يشهد سنوياً توافد السينمائيين من كل أنحاء العالم، ليس لعرض أفلام فقط، وإنما للمشاركة في الندوات وسوق الإنتاج، نحن محظوظون جداً بأن يأتي العالم إلينا سنوياً، ومع قدومهم يحدث التفاعل واكتساب الخبرات وتطوير التجارب، لذا فإن مهرجان البحر الأحمر هو بالتأكيد مهم وأساسي، وواجهة مشرقة للسينما السعودية.

• ماذا عن النقاد السينمائيين السعوديين؟

•• بخصوص حركة النقد السينمائي في المملكة، نتناولها من اتجاهين، هناك وعي ودعم مؤسسي من خلال تكثيف النشاطات النقدية وإقامة مؤتمر النقد السينمائي، الذي يطوف مختلف المدن سعودية وينشر الكتب لدينا، بالإضافة إلى أن مبادرة السينما مهمة وضرورية لتعميق الثقافة السينمائية، لكننا نشهد تطوراً في الكتابة السينمائية النقدية، لكنه تطور بطيء وطبيعي، لأن أغلب النقاد هنا من الشباب، وهم يتلمسون طريقهم تماماً كما هو الحال في صناعة الأفلام ذاتها، وما يحتاجه النقد السينمائي هو وجود أقلام مبدعة تكتب عن الفن السابع بحب وشغف ومسؤولية من أجل تطوير المشهد عموماً.

• ما هي أبرز أمنية تحرص على تحقيقها؟

•• أتمنى نقل أدب عبدالرحمن منيف إلى السينما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى